
الأيام العصيبة التي مرّت على الشيعة
كان زمن حكومة معاوية بن أبي سفيان ، من أشدّ الأيام التي مرت على الشيعة والتي استمرت زهاء عشرين عاما ، ولم يكن الشيعة فيها بمأمن ، وكان أغلب رجال الشيعة يشار إليهم بالبنان. ولم تكن لدى الحسن والحسين عليهماالسلام ، اللذان عاصرا معاوية ، أدنى الوسائل تمكنهم من القيام ، وإنهاء الأوضاع المؤلمة. والإمام الحسين عليهالسلام عند ما نهض في الأشهر الأولى من حكومة يزيد ، استشهد هو ومن كان معه من الأولاد والأصحاب.
وبعض إخواننا أهل السنة يذهبون إلى التبرير والتأويل في سفك هذه الدماء الطاهرة ، وما شابهها من أعمال إجرامية ، معللين ذلك ، بأنهم من صحابة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ووفقا للأحاديث المروية عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أن الصحابة مجتهدون ومعذورون ، وأن الله جلّ وعلا راض عنهم ، لكن الشيعة ترفض هذا بأدلة :
أولا : يستحيل على قائد كالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي نهض لإحياء الحقّ والحرية والعدالة الاجتماعية ، واتّبعه جمع من الناس ، فضحّوا بما لديهم في سبيل تحقيق هذه الأهداف ، وعند تحققها ، يترك لهم العنان ، وتمنح لهم الحرية المطلقة ، أمام الأحكام المقدسة ، كي يقوموا بما شاءوا ، وهذا يعني أن ينهار البناء الشامخ الذي ساهمت في إقامته وتشييده تلك الأيادي الطاهرة.
ثانيا : إن الروايات التي تقدس الصحابة وتنزههم ، وتبرر أعمالهم غير المشروعة ، وتعتبرهم من الذين قد كفّر الله عنهم سيئاتهم ، وأنهم مصونون وما إلى ذلك ، هذه الروايات قد وضعت من قبل هؤلاء الصحابة أنفسهم ، والتاريخ يشهد أن بعض الصحابة ، لم يكن أحدهم ليحترم الآخر ، ولم يكن الواحد منهم يغض النظر عن أعمال الآخرين القبيحة ، وإنما كان يشهّر به ويعرّفه للملإ. فقد قام بعضهم بالقتل الجماعي واللعن والسب وفضح الآخرين ، ولم تكن هناك أية مسامحة أو صفح فيما بينهم.
ووفقا لما ذكرنا فإن الصحابة يشهدون أن هذه الروايات غير صحيحة ، وإذا ما علم صحت البعض منها ، فإن المراد منها معنى آخر ، غير التنزيه والتقديس الشرعي للصحابة.
ولو قدر أن الله سبحانه وتعالى قد مدحهم ورفع شأنهم في بعض آياته ، فإن هذا يدلّ على ما قدموه من خدمات في سابق حياتهم ، وتنفيذهم لأوامر الله تعالى ، فطبيعي يرضى الله تعالى عنهم في هذه الحال ، ولكن لا يكون المراد من أنهم يستطيعون أن يقوموا بكل ما تراودهم أنفسهم في المستقبل ، وإن كان خلافا لأحكام الله تعالى.
استقرار ملوكية بني أمية
توفي معاوية (سنة ٦٠ للهجرة) ، واستولى على عرش الخلافة ابنه يزيد وفقا للبيعة التي أخذها أبوه من الناس ، وأصبح زعيما للحكومة الإسلامية.
والتأريخ يشهد بأن يزيد لم يكن يتصف بأية شخصية إسلامية ، فقد كان شابا لا يبالي بأحكام الإسلام حتى في زمن أبيه ، كان فاسقا فاجرا ، لا يتناهى عن شرب الخمر ، متّبعا لإهوائه وشهواته ، قام بأعمال إجرامية طوال السنوات الثلاث التي حكم فيها ، لم يسبق لها مثيل منذ ظهور الإسلام ، مع ما انطوت عليه من أحدث وفتن.
ففي السنة الأولى ، قتل الحسين بن علي عليهالسلام سبط النبي المرسل صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن كان معه من أولاده وأقربائه وأصحابه ، بشكل مفجع ، وطاف بالنساء والأطفال من أهل بيت العصمة والطهارة مع رءوس الشهداء في البلدان
وفي السنة الثانية ، أمر جيشه بالإبادة الجماعية للناس في مدينة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأباح دماءهم وأموالهم وأعراضهم لثلاثة أيام (١).
وفي السنة الثالثة ؛ أمر بهدم الكعبة المقدّسة وإحراقها (٢) ، وبعد وفاة يزيد ، تسلّط على رقاب الناس ، آل مروان من بني أمية ، وهذا ما تناقلته كتب التاريخ ، وكانت لحكومة هذه الزمرة والتي شملت أحد عشر شخصا ، واستمرت مدة سبعين عاما ، أيام عصيبة على الإسلام والمسلمين ، فلم تكن سوى أمبراطورية عربية مستبدة في مجتمع إسلامي ، وكانت تدعى الخلافة الإسلامية ، حتى آل الأمر بالخليفة آنذاك ، والذي يعتبر المدافع الوحيد عن الدين ، أن يقرر بناء غرفة على الكعبة ، كي يتسنّى له الجلوس فيها للتنزه ، خاصة في أيام الحجّ
والخليفة آنذاك قد رمى القرآن بالسهام ، وقال في شعر له مخاطبا القرآن :
أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا ربّ مزّقني الوليد
من الطبيعي أن الشيعة كانوا يختلفون اختلافا أساسيا مع أكثرية أهل السنة حول مسألتين ، الخلافة الإسلامية ، والمرجعيّة الدينية ، وهم عانوا أياما قاسية في تلك المرحلة المظلمة. فكان الظلم والجور من قبل الحكام ، والمظلومية والتقوى والورع الذي كان يتصف به أئمة أهل البيت عليهالسلام يجعلهم أكثر رسوخا في عقائدهم ، وخاصة بعد استشهاد الحسين عليهالسلام الإمام الثالث للشيعة ، مما ساعد على انتشار الفكر الشيعي في المناطق البعيدة عن مركز الخلافة مثل العراق واليمن وإيران.
ومما يشهد على صحة هذا الادعاء ، ما حدث في زمن الإمام الخامس للشيعة ، والقرن الأول الهجري لمّا يكتمل بعد ، حيث توجّه الشيعة من جميع الأقطار الإسلامية إلى الإمام الخامس واهتموا بأخذ الحديث والمعارف الإسلامية منه
وفي أواخر القرن الأول الهجري ، قام جماعة من الأمراء ، بإنشاء مدينة قم في إيران (٢) ، وأسكنوا فيها الشيعة ، ولكن الشيعة حسب أوامر أئمتهم لم يظهروا عقيدتهم ، التزاما بمبدإ التقيّة ، ولطالما نهض رجال من السادة العلويين إثر كثرة الضغوط التي كانت تظهر من قبل الحكام الجائرين ، ولكن قيامهم هذا كان عاقبته الفشل والقتل. وقدموا في سبيل عقيدتهم ونهضتهم هذه المزيد من النفوس ولم تبال الحكومة بإبادتهم والقضاء عليهم.
فهم أخرجوا جثمان «زيد» زعيم الشيعة الزيدية من قبره ، وصلبوه لمدة ثلاث سنين ، ومن ثم أحرقوه ، وذرّوا رماده في الهواء، حتى أن أكثرية الشيعة تعتقد أن مقتل الإمام الرابع والخامس قد تمّ على أيدي بني أميّة، وذلك بدسّ السمّ إليهما ، وكذا شهادة الإمام الثاني والثالث كانت على أيديهم.
إن الفجائع التي ارتكبها الأمويون كانت إلى حد جعلت أكثرية أهل السنة ـ مع اعتقادها بالخلفاء عامة وأنهم مفروضو الطاعة ـ يقسموا الخلفاء إلى قسمين : الخلفاء الراشدين ، وهم الخلفاء الأربعة الأوائل بعد وفاة الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وهم (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي عليهالسلام والخلفاء غير الراشدين أولهم معاوية.
والأمويون طوال حكومتهم ، وعلى أثر ظلمهم وجورهم ، أثاروا سخط الأمة وغضبها إلى أبعد الحدود ، وبعد سقوط دولتهم ومقتل آخر خليفة لهم ، فرّ ولدا الخليفة مع جمع من العائلة الأموية من دار الخلافة ولم يجدوا في أي مكان ملجأ يتجهون إليه ، فتاهوا في صحاري «النوبة» و «الحبشة» و «بجاوة» ومات الكثير منهم من جراء الظمأ والجوع ، توجهوا إلى جنوب (اليمن) فمكثوا هناك زمنا ، كانوا يحصلون على المال من الناس عن طريق الاستجداء والصدقة والعطف عليهم. ومن ثم انتقلوا إلى مكة مرتدين زيّ الحمّالين وانصهروا في ذلك المجتمع



